أنا مع القاعدة !

أنا مع القاعدة !

محسن علي السُّهيمي – المدينة

بالنسبة لي، تُشكِّل القاعدة خيارًا لا محيد عنه، وتظل هي الضوء الذي أسير على هديه. تعرفت عليها على مقاعد الدراسة، حينما كانت بعض المقررات الدراسية تحتفي بها، وتخصِّص لها حيِّزًا مناسبًا على صفحاتها. ولقد كان للمعلمين الوافدين –حينها- دور في تعزيز أهميتها ومكانتها لديَّ، فقد أكَّدوا على ضرورة أن يعي كل واحد أن تحقيق الأهداف لا يتم إلا بتفهُّمها واستيعابها؛ فهي التي تختصر المسافة وتسهِّل الصعب وتختزل الكثير من الكلام في فكرة مبسطة سهلة التعاطي.

إيماني بالقاعدة أتى من كونها ضوءًا لطيفًا في عتمة الظلام، ومن كونها خطًّا مستقيمًا يختصر الكثير من المنعطفات والمتاهات، ومن كونها احترامًا لعقل المتلقي في ظل التَوَهان الذي يصطدم به، ومن كونها تختصر الكثير من الجهد والوقت. لعلَّكم عرفتم المقصود بمفهوم (القاعدة) التي أعنيها في هذا المقال؛ فهي التي نجدها في بعض مقررات اللغة العربية كالنحو والإملاء، وهي التي تُعرَف في بعض المقررات العلمية كالرياضيات والفيزياء بـ(القانون) وليس المقصود بها (فِكر القاعدة) الذي يقوم على التكفير والتفجير.

هذا الفكر الضال الذي ظل لفترة طويلة (سلاحًا فعَّالاً) بأيدي البعض يشهرونه على خصومهم عند كل جدال، وتحت أي موقف؛ لإسكاتهم، ولاستعداء السُّلطة أحيانًا. نعود للقاعدة التي أعنيها وهي التي نجدها -كما ذكرتُ- في بعض المقررات الدراسية، هذه القاعدة على جلال قدرها، وأهميتها نجد بين التربويين من لا يؤمن بها، ويرى أنها غير فاعلة في ترسيخ المحتوى في أذهان الطلاب. وسأركز الكلام في هذا المقال على مقررَي النحو والإملاء؛ إذ لا غنى لمعلم هاتين المادتين عن القاعدة؛ لأنها -كما أراها- تبسيط لمحتوى الدرس الذي قد يطول ويتفلَّت على الطلاب، ويصعب عليهم الإلمام به.

وبمناسبة عدم إيمان بعض المعلمين بالقاعدة، أذكر أن أحد (الموجِّهين) كلفني قبل سنوات بعقد لقاء مع بعض المعلمين، وكان الحديث عن الإملاء، وقد تعرضتُ في اللقاء لأهمية القاعدة الإملائية، فاعترض بعضهم على الفكرة؛ كون الإملاء -وقتها- لا مقررات دراسية له، فضلاً عن القاعدة الإملائية، وبرروا ذلك بأن الطالب سيُتقِن المهارة الإملائية دون الحاجة إلى قاعدة، وذلك عن طريق الممارسة والاطلاع وكثرة التدريب عليها. وقد يكون هؤلاء المعلمون واقعين تحت تأثير عدم وجود مقررات مستقلة للإملاء في ذلك الحين، فهُم يرون ما تراه الوزارة -حينها- عندما اكتفت بتدريس الطلاب (بعض) المهارات الإملائية المنصوص عليها في (تعاميمها) دون وجود مقررات تعضدها. أذكر حينها قبل (22) عامًا أنني أضفتُ على المهارات المنصوص عليها من الوزارة -على ضآلتها- بعض المهارات التي تتناسب وطلاب الصفوف العليا من المرحلة الابتدائية، ووضحت كل مهارة بالأمثلة وأتبعتها بالقاعدة، ونسخت منها عدة نسخ وزعتها على كل طالب حسب صفه الدراسي، وآتت ثمارها بشهادة كثير من الطلاب الذين درَّستهم إياها.

ومع مطالبات المعلمين الوزارة بوضع مقررات للإملاء استجابت أخيرًا، ووضعت مقررات مستقلة للإملاء مصحوبة بالقاعدة، تكاد تتطابق مع تلك التي وضعتُها. القاعدة بالنسبة للطلاب بمثابة (المفاتيح) التي يسهل حملها، وفي الوقت نفسه تفتح الكثير من الأبواب المغلقة بكل يسر. القاعدة (النحوية أو الإملائية) ليست غاية لذاتها، وإنما هي وسيلة للوصول للمقصود، وهذا لا يخفى على التربويين. ومع كون القاعدة وسيلة فلا يعني هذا إهمالها والاكتفاء بحشد النصوص وضرب الأمثلة بحجة أنها تكفي لفهم المقصود والإلمام بالمضمون؛ بل لابد من حضورها مع كل درس. فعلى سبيل المثال، مع حالات كتابة الهمزة المتطرفة لا يمكن للطالب أن يُلم بمئات الكلمات المنتهية بهمزة متطرفة؛ بل قد يفوته الكثير ويعجز عن كتابتها، ولذا نبدأ بالقاعدة التالية: (تُكتب الهمزة المتطرفة على حرف يناسب حركة الحرف الذي قبلها) ثم نأتي بالأمثلة حتى تترسخ تلك القاعدة. وبالمثل في دروس النحو -الفاعل مثلاً- لا تُغني الممارسة وكثرة الأمثلة الطالبَ شيئًا ما لم تتوَّج بالقاعدة التالية: (الفاعل: اسم مرفوع يأتي بعد فعل مبني للمعلوم يدل على من قام بالفعل). وبذا تتضح لنا أهمية القاعدة وضرورة حضورها ابتداءً في دروس الإملاء وفق ما يُعرَف بـ(الطريقة القياسية) أو انتهاءً في دروس النحو وفق ما يُعرَف بـ(الطريقة الاستنباطية) فالعملية في نهاية الأمر تكاملية.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>


(مطلوب)