في دراسة علمية..تحقيق الأمن الفكري من خلال النخب السعودية وشبكات التواصل الاجتماعي

في دراسة علمية..تحقيق الأمن الفكري من خلال النخب السعودية وشبكات التواصل الاجتماعي

التعليم السعودي – متابعات : يعتبر الأمن الفكري خط الدفاع الأول؛ لأنه يرتبط بعقل وتفكير الإنسان، سواء كان هذا الإنسان سياسياً، أو اقتصادياً، أو عسكرياً، أو مزارعاً، أو معلماً، أو طالب مدرسة، فالإعداد الأولي للإنسان يبدأ من البيت، ويبدأ بحماية فكر هذا الإنسان من الاختراق، أو التخريب أو الاستقطاب من الآخرين.
فالأمن الفكري هو عصب كل الأبعاد الأمنية وهو صمام الأمان ضد الغزو الفكري بكل صوره وأشكاله، وهو مسؤولية اجتماعية تقع على عاتق جميع المؤسسات المجتمعية المختلفة ابتداء بالفرد، ثم بالأسرة، ثم المدرسة، فالجامعة، والمسجد، ووسائل الإعلام المختلفة، وبقية المؤسسات المجتمعية الأخرى. وأي تقصير من أي من هذه المؤسسات ستكون عاقبته وخيمة على المجتمع بأكمله.
وجاءت دراسة علمية لنيل درجة الماجستير للطالبة أبرار منصور الجديد بقسم الاعلام بجامعة الملك سعود بعنوان العلاقة بين اعتماد النخب في المجتمع السعودي على شبكات التواصل الاجتماعي وتحقيق الأمن الفكري, نتيجة للحاجة العلمية الملحّة لمعرفة درجة اعتماد النخب على شبكات التواصل الاجتماعي لتحقيق الأمن الفكري في المجتمع السعودي، خصوصا مع الثورة التقنية، والتأثير الملموس لهذه الشبكات محلياً وعربياً وعالمياً في التوجيه الفكري والمعنوي للجماهير، ودخول بعض الفئات النخبوية لعالم الشبكات الاجتماعية، وقيادة بعضهم للرأي العام فيما يخص القضايا الفكرية المختلفة سلباً أو إيجاباً.
ومن هنا جاءت الدراسة للتعرف على أنماط استخدام النخب لهذه الشبكات، ودرجة الاعتماد عليها وأهدافها، والتأثيرات المختلفة المتحققة من هذا الاعتماد فيما يخص مجال الأمن الفكري للمجتمع السعودي، كما تطرقت هذه الدراسة إلى أبرز مظاهر الخلل في الأمن الفكري للمجتمع، التي ترصدها النخب المستهدفة.
ومع الانفتاح التقني الذي غزى العالم كله بشكل عام، والمملكة العربية السعودية بشكل خاص، تكون الحاجة أكثر إلحاحاً للعمل على الوقاية من الانحراف الفكري بصوره المختلفة، وذلك بتنبيه وتوعية الشباب بخطورة هذا الانحراف في الفكر، ووجوب محاربته، والتعاون مع الجهات المختصة في القضاء عليه.
وهنا يبرز الدور الحيوي للمؤسسات والوسائل الإعلامية, نظراً لأهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه تلك المؤسسات في تحقيق الأمن الفكري، خصوصاً مع زيادة العوامل المؤدية إلى الإخلال به وفي مقدمتها تطور الإنترنت وانتشاره، وظهور شبكات التواصل الاجتماعية التي أصبحت تسهم في سرعة انتشار الأفكار ووصولها إلى جميع المجتمعات, وكافة الطبقات دون استثناء, واستغلال الشباب قليلي الوعي وتجنيدهم ضمن جماعات ذات فكر ضال لتنفيذ أعمال إرهابية بشكل مباشر وفعلي، كالتفجيرات الانتحارية في الممتلكات العامة والخاصة، أو عمليات اغتيال بعض الشخصيات القيادية المؤثرة في المجتمع، أو بشكل غير مباشر عن طريق الترويج للأفكار الإرهابية الهدامة من خلال شبكة الإنترنت, ونشر العبارات والشعارات التي تدعو إلى الخروج على ولي الأمر، ودعمها بفتاوى من بعض المجتهدين غير المحسوبين على المؤسسات الدينية داخل المجتمع.
وتشير الباحثة في أطروحتها العلمية، أن حكومتنا ممثلة في الأمير نايف بن عبد العزيز -رحمه الله- استشعرت أهمية الأمن الفكري، وعلاقته بنواحٍ حياتية كثيرة، أهمها الإعلام، خصوصا بعد ظهور الإعلام الرقمي بأدواته التي تتفوق على الإعلام التقليدي بمزايا عديدة، وقد أكّد -رحمه الله- في كلمته التي ألقاها على الحضور في ندوة (حقوق الإنسان في التعليم العالي.. الأمن الفكري)، أهمية قضية الأمن الفكري بقوله: إن قضية الأمن الفكري قضية حيوية ومهمة؛ باتت تشغل بال العلماء والمفكرين وحماة الأمن في العالم، وذلك في ظل انتشار الجريمة وبروزها كظاهرة اجتماعية عامة في كل المجتمعات البشرية على اختلاف ثقافاتها ونظمها الاجتماعية ومرجعياتها وقيمها، ويغذيها ما ظهر من مستجدات إجرامية صاحبت التقدم التقني والعلمي، وشكل تحديا كبيرا للمختصين في مكافحة الجريمة والانحراف لتقديم تفسير علمي لهذا النمط من الجرائم.
فقد تبنى -رحمة الله عليه- برنامجاً خاصاً بأبحاث الأمن الفكري بالتعاون مع جامعة الملك سعود في عام 2008؛ إذ جاءت فكرة إنشاء البرامج البحثية استشعاراً من جامعة الملك سعود لدورها في خدمة المجتمع، وتفعيلاً لمبدأ أن البحث العلمي مقوم من أهم مقومات التنمية المستدامة، وعامل من أهم عوامل الرقي والنهوض، وقد حظيت الفكرة باستجابة كريمة من لدن صاحب السمو الملكي الأمير /نايف بن عبد العزيز، وزير الداخلية آنذاك -رحمه الله- فاقترح تخصيص كرسي لدراسات الأمن الفكري، إيمانا منه بفكرة أن الأمن الفكري يأتي قبل الأمن الحسي، ورغبة في أن يسهم في تطوير البحوث والدراسات في مجال الأمن الفكري بطريقة علمية منهجية.
وتشير الباحثة أبرار الجديد في رسالتها العلمية لنيل درجة الماجستير, أن التحديات التي تواجه الأمن الفكري كثيرة ومتنوعة منها الداخلية ومنها الخارجية ومنها المشترك بين العوامل الداخلية والخارجية، وما الغزو الفكري والحروب العقائدية والعسكرية والنفسية والإعلامية وطفرة المعلومات، ونشوء الجماعات المتطرفة والظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنوازل الأخرى إلا تحديات حقيقية للأمن الفكري في المجتمعات العربية والإسلامية، ومن هنا فإن مشكلة الانحراف الفكري من أخطر المشكلات التي تواجه الإنسان عقيدة ووطناً.
ومما لا شك فيه أن التوعية هي الأداة الوقائية المثلى من كافة أشكال انحرافات الفكر والسلوك خاصة في ظل الفوضى الفكرية وازدواجية المعايير التي يشهدها العالم، وتزداد أهمية التوعية في خضم النتاج الفكري الشاذ والمنحرف الذي ظهر في الفترة الأخيرة على الساحة عبر وسائل الإعلام الجديد المتمثلة في شبكات التواصل الاجتماعي.
وترى الطالبة الجديد, أنه مع الانفتاح التقني لم يعد تهديد الأمن الفكري مشكلة وطنية، أو إقليمية بل مشكلة عالمية. فانتقال التقنيات إلى جماعات الجريمة أصبح من الأمور السهلة، وبالتالي فإن استثمار هذه التقنيات في ارتكاب الجرائم أصبح من الأمور الميسرة. فالإرهاب الفكري هو الذي قاد إلى الإرهاب المعنوي والجسدي، مما يجعل المسؤولية كبيرة على وسائل الإعلام بجميع أنواعها، وكذلك النخب المجتمعية، بل المجتمع عمومًا، ابتداءً من الأسرة الصغيرة في المنزل، وحتى المسؤولين والمؤسسات المعنية بحماية الأمن الفكري.
ورغم الجهود الفردية والمؤسسية المبذولة لحماية الأمن الفكري من النخب في المملكة العربية السعودية، إلا أنها لازالت مقصورة على فئات نخبوية دون أخرى، رغم أن صيانة الأمن الفكري واجب كل مواطن وعلى وجه الخصوص النخب التي تملك المقومات التي تميزها عن غيرها، خصوصا مع الحاجة الملحة لحماية الفكر مع الانفتاح التقني اللامحدود، واستغلال بعض الجماعات هذا الانفتاح لنشر الانحرافات الفكرية بأنواعها، وذلك يستدعي جهداً مضاعفاً من جميع النخب المجتمعية للتصدي لهذه الانحرافات، وأن يعنوا بحماية المنظومة العقدية والثقافية والأخلاقية والأمنية لمجتمعاتهم في مواجهة كل فكر، أو معتقد منحرف، أو متطرف وما يتبعه من سلوك.
ومن أهم النتائج التي توصلت إليها الباحثة: أن أسلوب مشاركة أغلب النخب في مجال الأمن الفكري عبر شبكات التواصل الاجتماعي مشاركة متقطعة، كما أن غالبية النخب يعتمدون أحياناً على شبكات التواصل الاجتماعي في تحقيق الأمن الفكري.
وفيما يتعلق بأهداف اعتماد النخب على شبكات التواصل الاجتماعي في تحقيق الأمن الفكري، فقد حصلت أهداف الفهم على الترتيب الأول، مما يدل على أن مدى الاعتماد يكون غالباً لذلك، بينما حصلت أهداف التوجيه على الترتيب الثاني، بينما حلت أهداف التسلية في الترتيب الثالث والأخير.
وحول التأثيرات المختلفة لاعتماد النخب على شبكات التواصل الاجتماعي لتحقيق الأمن الفكري، فقد أوضحت الدراسة أن التأثيرات الوجدانية حصلت على الترتيب الأول، أما التأثيرات السلوكية فحصلت على الترتيب الثاني، بينما حصلت التأثيرات المعرفية على الترتيب الثالث والأخير.
وعن أبرز مظاهر الخلل في الأمن الفكري على شبكات التواصل الاجتماعي، فقد أوضحت النتائج أن هناك عدة مظاهر للانحراف الفكري على شبكات التواصل الاجتماعي, وكان من أبرزها: إطلاق الفتاوى في مواضيع هامة وحساسة تؤثر على كيان الدولة وفكر المجتمع من قبل مجتهدين لا يملكون الأهلية، وتجنيد الشباب والترويج للأفكار الهدامة التي ترى مقابلة الفساد بأعمال العنف والتفجير, وترويع الآمنين, والتستر على المطلوبين أمنياً، والتعدي على الثوابت الدينية، وتأجيج الصراع الديني, والتطرف المذهبي من خلال تفتيت المجتمع وتصنيفه فكريا وطائفياَ، وتغذية التعصب بجميع أنواعه، ونشر الإشاعات والأخبار المكذوبة.
وقدمت الدراسة عدة توصيات ومقترحات أهمها: إنشاء مراكز دراسات إستراتيجية مختصة في مجال الفكر وتأثير الإعلام الرقمي، وتبني الباحثين من الشباب فيما يخص هذا الجانب، وتقديم الدعم لهم، للخروج بدراسات دقيقة تقرأ الواقع وتحلله وتستشرف المستقبل، ويمكن تطبيق نتائجها وتوصياتها عمليا على أرض الواقع.
وأوصت الباحثة بوجوب توعية مؤسسات المجتمع المدني بالدور الحيوي الذي يجب أن تساهم به لتحقيق الأمن الفكري في المجتمع، كدعم المشاريع الفكرية ومتابعتها وتشجيعها. وتقترح الباحثة تفعيل المؤسسات ذات العلاقة المباشرة بالمجتمع في عملية الأمن الفكري، مثل وزارة الشؤون الإسلامية ووزارة الإعلام ووزارة التعليم، كما توصي بالحد من الصراعات الفكرية في شبكات التواصل الاجتماعي، إذ إنها تساهم في تأجيج الرأي العام دون مصلحة تخدم مشاريع الأمن الفكري وفقاً لوزارة التعليم.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>


(مطلوب)