التجربة الفنلندية في إعداد المعلمين ودوره في الانجاز التعليمي الدولي

التجربة الفنلندية في إعداد المعلمين ودوره في الانجاز التعليمي الدولي

التعليم السعودي – متابعات : أن العامل الحاسم والوحيد في تحسين جودة التعليم يكمن في المعلم وأنه العامل المؤثر الأكثر أهمية في التحصيل الدراسي للطلاب ، لكن وجود معلمين جيدين غير كافي لتحقيق نواتج تعليم أفضل بصورة تلقائية إذ يتوجب على المؤسسات التعليمية إعادة النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى التدريس كمهنة وكذلك دور المدرسة في المجتمع. وهذا ما هدفت إليه وزارة التعليم من إطلاق “منتدى المعلمين الدولي” لاطلاع المعلمين  على أفضل الممارسات الدولية في التعليم بشكل عام والتعليم الصفي على وجه الخصوص والاستفادة منها.
فقد ساهم إعداد المعلمين والتركيز المستمر والمنتظم على منهيتهم في تحويل النظام التعليمي في فنلندا إلى بؤرة الاهتمام العالمي ، وجعله مادة خصبة للبحث والدراسة والاستفادة منها في الاصلاح والتغيير التعليمي. إذ أن تطوير برامج وعمليات إعداد المعلمين لا يكفى حتى لو وفر النظام التعليمي “أفضل وألمع” المعلمين في المدارس ، حيث تؤسس التجربة الفنلندية لعمل المعلم القائم على الكرامة المهنية والاحترام الاجتماعي والزمالة ، حتى يتمكنوا من تحقيق رغبتهم في اختيار التدريس كمهنة للحياة، جنباً إلى جنب مع أقرانهم الذين يشاركونهم ذات الاهتمامات.
تميز الطريقة التي يعمل بها المعلمون في فنلندا بالتوازن بين التدريس والتعاون مع زملاء المهنة في المدرسة.
وفي الواقع لايزال الفنلنديون ينظرون إلى التدريس باعتباره مهنة رفيعة ومرموقة، تشبه مهنة الطب ، والمحاماة والاقتصاد، ومحركها الرئيس هو غرض أخلاقي أكثر من العوائد المالية أو المكافآت. إذ يحظى المعلمون بتقدير كبير في فنلندا . وتقوم وسائل الاعلام الفنلندية بنشر تقارير منتظمة لنتائج استطلاعات الرأي التي توثق للمهن المفضلة لدى خريجي المدارس الثانوية  العامة العليا . والمثير للدهشة أنه تم تصنيف التدريس باستمرار باعتباره واحدة من المهن  الأكثر جذباً، قبل الاطباء، والمهندسين المحامين، ويعتقد عادة أنها مهنة “الأحلام”. وينظر للتدريس باعتباره مهنة رفيعة مستقلة، تتمتع باحترام وثناء الجمهور. وتحظى مهنة التدريس بشعبية بخاصة بين الشابات، حيث كان هناك أكثر من 80% من الذين تم قبولهم للدراسة في برامج إعداد المعلم الابتدائي من الإناث.
في الستينات الميلادية ، كان إعداد معلمي المدارس الابتدائية يجرى في حلقات إعداد المعلم لمدة تتراوح بين 2-3 سنوات وليس في مؤسسات أكاديمية، بحيث تقدم لهم بعض الوحدات الدراسية التي تتضمن تدريباً عملياً قصيراً في التدريس، مارتي اهتيساري كانت واحدة من خريجات الحلقات الدراسية لإعداد المعلمين في أو خر الخمسينات، وتدرجت من كونها معلمة في المدارس الابتدائية، لتصبح دبلوماسية دولية، ثم رئيسة فنلندا(1994-2000م)، والآن حائز على جائزة نوبل للسلام وصانعة للسلام العالمي. واليوم، عندما تحتفل فنلندا بإنجازاتها التعليمية تعترف علناً بقيمة معلميها، وتثق ضمنياً في رؤاهم وأفكارهم المهنية، وأحكامهم المتعلقة بالتعليم المدرسي، وقد أعلن بصراحة ووضوح، أنه من دون المعلمين المتميزين، ومن دون نظام إعداد المعلمين الحديث الذي يتوافر لدى فنلندا، لاستحال الإنجاز التعليمي الدولي الحالي لها.
ويختلف نظام التعليم الفنلندي اختلافاً واضحاً عن التعليم في الولايات المتحدة وكندا، والمملكة المتحدة، وترتبط بعض هذه الاختلافات بشكل وثيق بطريقة عمل المعلمين. فعلى سبيل المثال، يفتقر نظام التعليم الفنلندي إلى التفتيش المدرسي الصارم، وكذلك لا تستخدم الاختبارات الخارجية الصارمة لإعلام الجمهور حول أداء المدرسة أو فاعلية أداء المعلمين . ويمتلك المعلمون في فلندا  أيضاً الاستقلالية المهنية لوضع خطة العمل المدرسي وتصميم المناهج الدراسية. وتمويل جميع مراحل التعليم في فنلندا من القطاع العام مجاناً، بما في ذلك برامج إعداد المعلمين في الجامعات البحثية.
ويتم اختيار المرشحين للالتحاق في برامج إعداد معلمي المدارس الابتدائية على مرحلتين، في المرحلة الأولى يخضع الطلاب لاختبار مقالي وهو اختبار موحد في الجامعات التي تقدم برامج إعداد المعلم ويستند هذا الاختبار على مجموعة من المقالات العلمية والمهنية التي يتم الاعلان عنها وإتاحتها للطلاب. ودرجة الاختبار فقط هي التي تخولهم الوصول إلى المرحلة الثانية دون اعتبارات أخرى.
أما المرحلة الثانية فهدفها اختبار الجوانب المعرفية والشخصية ، والصلاحية والملائمة الشاملة للمرشح لمهنة التدريس. وتطلب معظم الجامعات أن يكون المرشحون قادرين على ابداع الأفكار، والتخطيط يتم سؤالهم فيها حول أمور كثيرة، وفي مقدمتها الأسباب التي دفعتهم لاختيار مهنة التدريس.
وينسجم إعداد المعلم الفنلندي اليوم تماماً مع خصائص السياسة التعليمية في فنلندا، لذا توجد خمس فئات من المعلمين في فنلندا وهي:
1. معلمو رياض الاطفال ، ويعملون في رياض الاطفال ولديهم ترخيص لتعلم الاطفال في مراحل ما قبل الدراسة.
2. معلمو المدارس الابتدائية، ويقمون بالتدريس في الصفوف الأول إلى السادس في المدارس الشاملة (ذات السنوات التسع). وعادة ما يكلفون بصف واحد وتدريس عدة مواد.
3. معلمو المادة ، ويقمون بتدريس مواد معينة في الصفوف العليا في مدارس التعليم الأساسي(عادة الصفوف من السابع إلى التاسع) والمدرسة الثانوية العامة بما في ذلك المدارس المهنية. وقد يقوم معلمو المواد بتدريس مادة واحدة إلى ثلاث مواد كالرياضيات والفيزياء والكيمياء على سبيل المثال.
4. معلمو التربية الخاصة ، ويقمون بالعمل مع الافراد والمجموعات الطلابية من ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس الابتدائية والصفوف العليا من المدارس الشاملة.
5. معلمو التعليم المهني، ويقومون بالتدريس في المدارس الثانوية المهنية العليا وهؤلاء يمتلكون خبرة 3 سنوات على الاقل في الفصول الدراسية في مجال تخصصهم قبل أن يلتحقوا في برنامج إعداد معلمي التعليم المهني.
وبالإضافة إلى فئات المعلمين هذه، يطلب من المعلمين في مؤسسات تعليم الكبار أن يكون لديهم المعرفة والمهارات التربوية المماثلة لنظرائهم الأخرين في مؤسسات التعليم العام الأخرى.
مهنة التدريس والثقافة الوطنية
ترتبط مهنة التدريس ارتباطاً وثيقاً بالحفاظ على الثقافة الوطنية الفنلندية، وبناء مجتمع منفتح ومتعدد الثقافات. وفي الواقع، هناك هدف واحد من التعليم الرسمي وهو نقل التراث الثقافي والقيم والتطلعات من جيل إلى آخر. والمعلمون يؤدون دوراً أساسياً في بناء مجتمع الرفاه الفنلندي. وكما هو الحال في كثير من البلدان حول العالم، يقوم المعلمون في فنلندا بمهمة نقل الثقافة، إذ أن فنلندا كافحت للحفاظ على هويتها الوطنية ولغتها الام وقيمها الثقافية والاجتماعية.
وينسجم التعليم في فنلندا مع القيم الاساسية الاجتماعية للفنلنديين والتي تشمل العدالة الاجتماعية والاهتمام بالآخرين وتحقيق السعادة .
ما الذي يجعل التدريس وظيفة ذات مكانة رفيعة في فنلندا
إذا استخدمنا التعليم الفنلندي بمثابة مرجع تبرز ثلاثة شروط لاجتذاب أفضل الشباب لمهنة التدريس وابقائهم في المدارس:
أولاً: وهو الاهم، من الضروري تتوافر للمعلمين بيئات وأماكن عمل تسمح لهم القيام برسالتهم الأخلاقية .
ثانياً: يجب أن يكون إعداد المعلمين على قدر كاف من التنافسية ، وأن يتطلب اجتذاب الشباب الموهوبين من خريجي المدارس الثانوية
ثالثاً: مستوى المرتبات ليس هو الدافع الرئيس لكي تصبح معلماً في فنلندا . فالمعلمون يحصلون على رواتب تزيد قليلاً عن متوسط المرتبات الوطنية. إذ يبلغ راتب المعلم.
إعداد المعلمين القائم على البحوث
حتى نهاية السبعينات ، كان إعداد معلمي المدارس الابتدائية في فنلندا يجرى في كليات المعلمين أو حلقات النقاش الدراسية الخاصة بإعداد المعلمين. أما معلمو المواد في المدارس الثانوية الدنيا فيدرسون في أقسام محددة تركز على المواد داخل الجامعات الفنلندية. وبحلول نهاية السبعينات ، أصبحت جميع برامج تعليم وإعداد المعلم جزءاً لا يتجزأ من التعليم الاكاديمي العالي، وبالتالي يقدم الآن فقط في الجامعات وأصبحت درجة الماجستير هي المؤهل الأساسي للتدريس في المدارس الفنلندية . وتزامناً مع ذلك أسهم التقدم الحادث في المحتوى العلمي والمعرفي والبحوث التربوية في أثراء مناهج التعليم وإعداد المعلم.. وأصبح  إعداد المعلم الفنلندي الآن أكاديمياً، حيث أصبح يستند على المعرفة العلمية ويركز على عمليات التفكير والمهارات المعرفية اللازمة لتصميم وإجراء البحوث التربوية . وهناك مبدأ يحكم إعداد المعلمين القائم على البحوث في فنلندا، وهو مبدأ التكامل المنهجي للمعرفة العلمية في فن التدريس (معرفة المحتوى التربوي)، والممارسة العملية لتمكين المعلمين من تعزيز التفطير التربوي، وصنع القرار القائم على الأدلة ، والاندماج في المجتمع المهني للتربويين وبالتالي، فإن الشرط الاساسي اليوم للعمل الدائم في مهنة التدريس في جميع المدارس الشاملة والثانوية العليا الفنلندية هو الحصول على شهادة الماجستير القائمة على البحوث.
اضحى إعداد المعلم مجالاً مهماً ومعترفاً به في التعليم العالي في فنلندا. أما في العديد من الدول الأخرى ، فالوضع يكاد يكون مختلفاً حيث ينظر إلى إعداد المعلم في كثير من الاحيان على أنه ذلك التدريب شبه المهني الذي ينظم خارج الجامعات الأكاديمية .
ويركز الاعداد الأكاديمي للمعلم في فنلندا على التنمية المتوازنة للكفايات الشخصية والمهنية للمعلمين. ويولي اهتماً خاصاً لبناء مهارات الفكر التربوي وتمكين المعلمين من إدارة العمليات التدريسية بما يتفق مع الممارسات والمعارف التربوية . أما إعداد معلم التعليم الابتدائي الفنلندي فيتصف بدراسة “التربية” باعتبارها المحور الرئيس للدراسة، وتتألف من ثلاثة مجالات وهي (النظرية التربوية-معرفة المحتوى التربوي-تعليم المواد والتربية العملية). وتختتم برامج إعداد المعلم القائمة على البحوث بأطروحة الماجستير، حيث يقوم معلمو المدارس الابتدائية المرشحون عادة باستكمال أطروحاتهم في مجال التعليم وغالباً ما يكون موضوع أطروحة الماجستير ذات علاقة بممارسات المعلمين في المدرسة أو الفصول الدراسية في مجال تخصصاتهم، مثل تدريس أو تعليم الرياضيات. أما الطلاب المعلمين للمواد فلهم الخيار في تحديد موضوع الأطروحة ضمن مادة التخصص الرئيسية لهم. ويكون مستوى التوقعات العلمية متماثلاً في جميع برامج إعداد المعلم، سواء برامج إعداد معلمي المرحلة الابتدائية أو برامج إعداد معلمي المدارس الثانوية الدنيا والعليا.
المعلمون القادة
يعتبر تخطيط المناهج مسؤولية المعلمين والمدارس والبلديات وليس للدولة ومعظم المدارس الفنلندية اليوم لديها مناهج خاصة بها. وموافق عليها من قبل سلطات التعليم المحلية. وذا يؤكد أن المعلمين ومديري المدارس، لهم أدوار رئيسية في تطوير المناهج الدراسية، والتخطيط المدرسي، ويوفر الإطار الوطني للمناهج في المدرسة الشاملة والمدرسة الثانوية العليا، التوجيه والأنظمة الضرورية التي يجب على كل مدرسة أن تأخذها في الاعتبار في أنشطة تطوير المناهج الخاصة بها. ومع ذلك لا توجد معايير وطنية صارمة أو أوصاف لنواتج تعلم الطلاب التي يجب أن تضمنها المدارس الفنلندية في مناهجها الدراسية، كما هي الحال في الولايات المتحدة وكندا، والمملكة المتحدة. وهذا هو السبب في تنوع المناهج الدراسية من مدرسة إلى أخرى. ويتطلب الدور الرئيس للمعلمين في صناعة القرار التربوي أن تقوم برامج إعداد المعلمين ببناء المعارف والمهارات المتطورة المتعلقة بتطوير المناهج الدراسية، والنظرية، والممارسة في تقويم الطلاب والقيادة لدى كل المعلمين المحتملين. وعلاوة على ذلك فقد تحول تركيز التنمية المهنية للمعلم الفنلنديين تجزئة التدريب أثناء الخدمة إلى مزيد من الاصلاح المدرسي المنهجي، الذي يبني أفضل الاسس الأخلاقية والنظرية للتدريس الفعال.
وهناك مسؤولية أخرى مهمة للمعلم وهي تقويم الطالب حيث أن المدارس الفنلندية لا تقوم باستخدام الاختبارات القياسية الموحدة لتحديد مدى تقدم الطلاب ونجاحهم. التقييم الخارجي الوحيد “القياسي” لتعلم الطلاب هو الاختبار الوطني لشهادة الثانوية العامة في نهاية المدرسة الثانوية العليا عندما يكون الطلاب في سن 18-19 سنة .
وعلى الرغم من أن عمل المعلمين الفنلنديين يعتمد اساساً على التدريس وكثير من واجباتهم المهنية تكون خارج الفصول، فإن وقت العمل الرسمي للمعلم في فنلندا يشمل التدريس وإعداد الدروس وساعتين اسبوعياً من التخطيط والعمل التنموي مع الزملاء. وخلافاً لما يحدث في العديد من الدول الأخرى، ليس هناك حاجة لحضور المعلمين الفنلنديين إلى المدرسة إذا لم يكن لديهم حصص أو فصول دراسية أو إذا لم يطلبهم مدير المدرسة لأداء بعض الواجبات الأخرى.
معلمون أكفاء، مدارس عظيمة
كشف المسح الدولي للتدريس والتعليم (TALIS) في منظمة التعاون الاقتصادية والتنمية عام 2014م عن معلمي المدارس الثانوية الدنيا في فنلندا عن أن ثلاثة من كل خمسة معلمين في فلندا بأن مهنتهم ذات قيمة في المجتمع وهذا معدل يزيد على متوسط 31% في 33 دولة أخرى شاركت في المسح الدولي للتعليم والتعلم. وأن الغالبية العظمى من المعلمين في فنلندا يصرحون بالشعور بالرضا إزاء عملهم فقد أكد 95% من المعلمين في فنلندا أن مزايا مهنة التدريس تفوق مساوئها مقارنة ب77% من المعلمين يشعرون بذلك في البلدان الأخرى المشاركة في المسح. وبشكل عام اظهر المسح أن 91% من المعلمين في فنلندا راضون عن مهنتهم. لذا تتسم فنلندا بالخصائص التالية :
1. يستقطب الأفراد الموهوبون والأكثر قدرة للعمل في التدريس.
2. هناك تعاون وثيق بين كليات المواد الدراسية وكلية التربية.
3.إعداد المعلم القائم على البحث وفقاً لوزارة التعليم.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>