التعليم كطريق للحرية.. مجلة التنوير

التعليم كطريق للحرية.. مجلة التنوير

مجلة التنوير كتبها الطلاب للطلاب، أردنا أن تكون المجلة مساحة حرة ليعبروا عن أنفسهم، ليشكلوا حالة انتماء للمكان العمومي الذي ينتمون له

عبدالله المطيري – الوطن

كل شيء في التعليم التقليدي يقف في طريق الحوار. في رسالتي للماجستير بحثت عن مشكلة الحوار في تعليمنا ووجدت أن الحوار المنشود يصطدم بمعوّقات ثقافية وتنظيمية ومعوقات على مستوى إمكانات واستعدادات المعلمين والمدرسة. الحوار في هذا الفضاء كان جسما غريبا ومثيرا للقلق. كنت على المستوى الشخصي قد نجحت نسبيا في جعل الحوار جزءا من طابع الصفوف التي أدرّسها من خلال فتح الموضوعات التي تشغل الطلاب لتكون موضوعات للحوار والتفكير. بقي هنا أن نشكّل خطابا حواريا عاما في المدرسة، أن يتحدث الطلاب بشكل عام خارج حدود صفوفهم الدراسية. كان هناك عدد من القضايا المشتركة لدى الجميع لا بد من أن تطرح للجميع، من هنا ولدت فكرة مجلة التنوير في ثانوية الحاير.
كنا نريد للمجلة أن تكون مختلفة، بمعنى أن تكون صوت الطالب الحقيقي بدلا من الصوت المزيّف المعتاد في المجلات التقليدية. في السابق كانت المجلات المدرسية في الغالب عبارة عن أعمال وعظية. في مجلة التنوير أردنا أن تكون مساحة حرّة للطلاب ليعبروا عن أنفسهم، ليشكّلوا حالة انتماء للمكان العمومي الذي ينتمون له. شكلنا مجلسا للتحرير بعضويتي وعضوية طالبين صديقين كانا من أشد المتحمسين لهذا المشروع: فهد القحطاني ومذخر العجمي. كنت أدور على الصفوف وأحفّزهم على المشاركة، ليس لمجرد المشاركة، بل لأننا نريدها أن تكون خطوة من أجل التغيير. كانت شكاوى الطلاب لا منتهية عن المدرسة والمعلمين ومستويات النظافة وجودة مقصف المدرسة وضعف المشاركات الرياضية… إلخ، الآن جاء وقت التعبير عنها. أيضا بعض الطلاب كانت لديهم رؤى نقدية عن المجتمع خارج أسوار المدرسة.
بدأنا العمل وأردنا أن يكون للمجلة بعد متنوع بحيث تغطي المجال الفكري وشؤون المدرسة وأعمالا أدبية ترفع الذوق العام وأعمالا فنية تعطي لمسة جمالية. بدأنا في جمع المواد وسط حالة من الترقب داخل المدرسة. في ذلك الوقت كان عدد من المعلمين يحذرون الطلاب صراحة وضمنا من الحديث في الموضوعات الشائكة ومن الاستجابة للمعلمين الذين يريدون إفساد عقائدهم وعن الخطر العلماني القادم… إلخ. كأعضاء تحرير كنا نعتقد أن هذا الجو سيزيد من توزيع المجلة وإقبال الطلاب عليها. في تلك الأيام استلم إدارة المدرسة وكيل المدرسة الأستاذ محمد الغزواني وكان رجلا فاضلا ومعلما واعيا. كان الأستاذ محمد يؤمن بحرية التعبير ومشاركة الجميع في تطوير مدرستهم. حين أخبرته بفكرة المجلة أعطانا الضوء الأخضر وقال من لا تعجبه المجلة بإمكانه إصدار مجلة أخرى وعلى الجميع الالتزام بالقيم التربوية العامة.
بعد عمل مكثّف كانت حصيلة عددنا الأول مواد عن تذمّر الطلاب من العنف الجسدي واللفظي من بعض المعلمين، مقالة تتساءل عن دور مساجد الحائر في معالجة قضايا الإرهاب، قصة أدبية لفهد القحطاني تحكي قصة فتاة تتعرض للاغتصاب ثم يعاملها المجتمع كمجرمة ويلحق هذه المعاملة بابنها الصغير، الصديق الطالب محمود الأنصاري وهو قارئ نهم كتب عن أحد الأعمال الروائية من وجهة نظره كطالب. مذخر العجمي وهو رسّام مبدع رسم لنا لوحة كخلفية للمجلة تعبّر عن طير يحلّق في السماء، بالإضافة إلى مواد أخرى رياضية ومتنوعة. كنا نراهن على أن المجلة ستجذب الطلاب ولكننا لم نكن نعلم عن حجم ردود الفعل التي يمكن أن تسببها.
في يوم توزيع المجلة فوجئنا بأنه قد تم توزيع أوراق عن خطر التنوير ومدعي التنوير والسلسلة المتعارف عليها، إلا أننا كنّا نراهن على أن الطلاب سيجدون في مجلتنا ما يجذب انتباههم باختصار صوتهم.
مجلة التنوير كتبها الطلاب للطلاب، وهذا هو الرهان الذي كنا نعتمد عليه. باعتباري أحد أعضاء هذه المجلة، فبالتأكيد أن حديثي عنها حديث المنحاز، ولكن إقبال الطلاب على المجلة كان مذهلا، بل إن انتشارها وصل إلى خارج المدرسة وبدأت تصلنا ردود أفعال من الأهالي. كان مشهد الطلاب وهم يحرصون على اقتناء المجلة ويطالبوننا بالمزيد من الأعداد محفّزا ومشجعا. حتى الطلاب الذين لم تعجبهم المجلة دعوتهم للمشاركة فيها وفتحت المجال لهم في الصف لينتقدوا المجلة ويعترضوا عليها. في المقابل كانت ردة فعل الكثير من المعلّمين محبطة، لا لعدم إعجابهم أو معارضتهم للمجلة بل لقسوتهم على الطلاب وتحميل أقوالهم ما لا تحتمل. سأذكر هنا نماذج لتلك المواقف.
أحد المعلمين وفي الطابور الصباحي كان يحمل المجلة وأشار إلى المقال الذي ينتقد بعض أئمة المساجد ووصفه بالضلال والاعتراض على علماء الأمة! كنت أتمنى من هذا المعلم فتح حوار مع كاتب المقال بدلا من التهويل والتهجم عليه في الطابور الصباحي. آخرون اعتبروا أن شخصية القصة التي كتبها فهد القحطاني وسمّاها فاطمة تعبيرا عن ظلم المجتمع لها ولابنها كانت مقصودة للتعدي على بنت الرسول محمد وتشويه سمعتها! كان هذا التأويل مؤلما لفهد ومؤذيا له لدرجة أني فكّرت أنه ربما غرس فيه جرحا لن يندمل ولكن فهد كان قويا لدرجة مدهشة. مذخر العجمي صاحب اللوحة الجميلة تم تأويل عمله على أنه دعوة للتجرد من الدين والقيم. محمود اعتبر داعية للتغريب بسبب حديثه عن رواية عالمية. فهد ومذخر تمت مقاطعتهما من بعض سكان الحي وتم النهي عن السلام عليهما أو الحديث معهما. شخصيا كانت ردود الفعل متعددة المستويات.. أولا شكاوى رسمية لإدارة التعليم، ثانيا قام أحد المعلمين بكتابة خطاب باسم الطلاب ليوقع عليه المعلمون والطلاب يطالب بإبعادي من المدرسة ليفشل فشلا ذريعا، زيارات للمنزل من شخصيات دينية في الحيّ، إشاعات متنوعة عن حياتي الخاصة والأسرية. كل ردود الفعل هذه كانت تسعى لهدف واحد وهو إيقاف الحوار الذي ابتدأت علاماته، إيقاف التساؤل والتفكير، إيقاف تحوّل المدرسة إلى مكان حقيقي، لكن مجلة التنوير ستستمر ولو لوقت قصير وتستمر معها حكاية التعليم كطريق للحرية.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>


(مطلوب)