الكراسي البحثية بالجامعات.. تمويل ضخم.. ونتـــــــائج هزيلة

الكراسي البحثية بالجامعات.. تمويل ضخم.. ونتـــــــائج هزيلة

التعليم السعودي : كشف تقرير صادر عن وزارة التعليم أن واقع إنفاق المملكة على الأبحاث العام الماضي بلغ نحو 16.6 مليار ريال، في حين لم يتجاوز الإنفاق غير الحكومي 7.8 مليارات ريال، من مصادر تنوعت بين القطاع الخاص والأوقاف والتبرعات والكراسي البحثية والجوائز والمنح البحثية، فيما سجلت نسبة الإنفاق الحكومي على البحوث العلمية نحو 68% مقارنة بإسهام القطاعات غير الحكومية التي لم يتجاوز إسهامها نحو 32%.
وقد أعاد هذا التقرير من جديد سؤال الجدوى الذي يتكرر بين الحين والآخر حول الكراسي العلمية في الجامعات السعودية، والتي باتت تتناقص بعد ازدياد، وتتراجع بعد ازدهار، وسط جدل يتجدد حول تأثيرها وجدواها، واختلاف على مدى نجاحها وتحقيقها للأهداف التي أنشئت من أجلها، وكيفية مساهمتها بالقضايا المجتمعية المختلفة. وهو الأمر الذي أصبح يستدعي وجود دراسات علمية جادة عن مدى جدواها، وكيفية دعمها والنهوض بها، حيث اختلفت بشأنها الآراء بين من يرى أنها نجحت جزئيا ومن يرى أنها نجحت بالجملة، فيما يرى البعض أيضا أنها تفتقر للاستراتيجية والهدف. فمنذ أن تأسست الكراسي البحثية في جامعات المملكة لأول مرة في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله، تعلقت العديد من الآمال بما يمكن أن تحققه من نهضة علمية معتبرة، يمكن أن تفيد في نهضة الدولة والمجتمع، كما تفعل مثيلاتها في الدول المتقدمة، إلا أن تلك الكراسي -كما يراها البعض- فقدت أهدافها المنشودة.
«المدينة» حاولت مناقشة تلك القضية للتعرف معوقات الانتفاع الفعلي بالكراسي البحثية، وكيفية دعمها وتنشيطها لتحقق أهدافها المرجوة.

د.آل مفرح: كراسي نشيطة وأخرى ليست على المستوى المطلوب
يقول الدكتور أحمد آل مفرح عضو اللجنة التعليمية بمجلس الشورى أن الدور الأساسي لهذه الكراسي من طرف رجال الأعمال هي لتقديم خدمة للمجتمع ضمن المسؤولية الاجتماعية التي يجب عليهم تقديمها لمجتمعهم المباشر سواء في مدنهم أو في المملكة بشكل عام، وهذا المقصد الذي أنشئت من أجله هذه الكراسي.
ولا نستطيع الحكم بأن رجال الأعمال مولوا الكراسي العلمية من أجل وجاهتهم الشخصية أو لإبراز أعمالهم وهذا الأمر من النوايا، وهناك عشرات الكراسي العلمية في جامعاتنا بأسماء رجال الأعمال في قضايا متعددة وقد نجد رجل أعمال واحد لديه أكثر من كرسي علمي لاهتمامه بعدد من القضايا، ولا نستطيع أن نحكم على الكراسي بالفشل لأنه ليس هناك دراسة علمية مؤكدة تؤكد أن الكراسي العلمية فشلت، مشيرا الى أنهم في مجلس الشورى طالبوا بدراسة علمية ومنهجية حتى نستطيع أن نحكم على مدى فاعليتها ومدى تحقيقها لأهدافها التي أنشئت من أجلها، فلا يمكن الحكم عليها بما يطرح في الإعلام فالأمر يتطلب دراسة علمية ومقننة، وهناك بعض الكراسي نشيطة وهناك أخرى ليست على قدر المستوى المطلوب، وهذا ملاحظ بين الجامعات، والإشكالية تكمن في عدم الالتزام باتفاقية التمويل أو بعدم إدارة الكرسي بالإدارة الصحيحة، ونعم هناك عدم الإنتاج الكبير الذي كنا نتوقعه ولكن لا نحكم عليها بالفشل، لأن هناك كراسي نجحت وعالجت الكثير من قضايانا العلمية والصحية وحققت شيئا ملموسا، ولكن الكراسي جملة تظل أقل من الطموح ولم نلمس الأثر الكبير على أكثرها، ولذلك يجب دعم هذه الكراسي في جامعاتنا وأن ترشد وتوجه لخدمة قضايانا وما يحتاج إليه المجتمع، وهي فرصة للجامعات أن تستثمر الكراسي استثمارا شاملا يلبي الاحتياجات ويسد الخلل الذي يصعب معه تمويل بعض الدراسات وبعض البحوث، وهناك نشاط علمي وحراك كبير تشهده جامعاتنا ولكننا مازلنا نحتاج الكثير من جامعاتنا فعدد الباحثين في المجتمع كثير والمتخصصين والحاجة كبيرة لدراسة الكثير من القضايا مثل التصحر وتحلية المياه ونضوب المياه وقضايا اجتماعية وسلوكية والمخدرات وقضايا تطوير التعلم وترشيد الاستهلاك.

«التعليم»: 215 كرسي و22 ألف بحث
كشف تقرير لوزارة التعليم حصلت عليه «المدينة» أنه عدد الكراسي العلمية في الجامعات بلغ 215 كرسيا في 20 جامعة حكومية، بلغ فيها عدد البحوث المنجزة والجارية 22,612 بحثا، تتصدرها جامعة الملك سعود بـ113 كرسيا علميا، ونالت المجالات الطبية والصيدلانية العدد الأكبر بواقع 36 كرسيا، أبرزها كرسي الأمير سلطان لأبحاث الإعاقة السمعية، وكرسي الملك سلمان لأبحاث الكلى، وفي المجالات العلمية والزراعية وصلت 33 كرسيا، أبرزها: كرسي الملك عبدالله للأمن الغذائي، أما الكراسي الهندسية فبلغت 15 كرسيا، أبرزها كرسي أرامكو السعودية لهندسة لزلازل وكرسي اليونسكو لتحلية المياه، وتأتي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في المرتبة الثانية بواقع 22 كرسيا علميا منها: كرسي الملك عبدالعزيز لدراسات تاريخ المملكة، وكرسي الملك عبدالله لدراسات القرآن الكريم، وفي المرتبة الثالثة تأتي جامعة الملك عبدالعزيز بـ13 كرسيا علميا أبرزها كرسي الأمير سلطان لأبحاث الشباب وقضايا الحسبة وكرسي الأمير نايف للقيم الأخلاقية، وتحل جامعة حائل في المرتبة الرابعة بـ12 كرسيا منها كرسي أبحاث الفشل الكلوي، وتأتي جامعة أم القرى في المرتبة الخامسة بـ8 كراسي، منها كرسي الأمير نايف لدراسات إسكان الحجاج بمكة، وتأتي جامعة طيبة في المرتبة السادسة بـ7 كراسي تليها جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بواقع 6 كراسي أبرزها كرسي أرامكو في جيوفيزيا للاستكشاف، وتأتي جامعة القصيم في المرتبة الثامنة بـ4 كراسي وجامعة الأمير سطام في المرتبة التاسعة بـ3 كراسي وجامعة الدمام بـ3 كراسي وتليها جامعة الملك فيصل، وجامعة الملك خالد، وجامعة تبوك، وجامعة الجوف، وجامعة الطائف، وجامعة المجمعة بواقع كرسيين علميين، وبقية الجامعات لديها كرسي واحد وهي جامعة الأميرة نورة وجامعة نجران، وجامعة الباحة.

الكراسي العلمية بالجامعات
– 215 كرسي في 20 جامعة
– عدد الأبحاث: 22,612 بحثا
منها: *بحوث نشرت: 12,733 بحثا
*بحوث جارية: 9,879 بحثا

الكراسي العلمية.. قيمة بحثية ودور تاريخي
تكتسب الكراسي العلمية أهميتها من قيمتها البحثية وأثرها المعرفي، ودورها في التنمية المستدامة، وخدمة المجتمع، وتلبية الاحتياجات، ومعالجة القضايا وإيجاد حلول المشكلات، والارتقاء بالبحث العلمي ومستوى الباحثين وتسخير خبرات الأكاديميين في صناعة المعرفة واقتصادياتها، والإفادة من تجهيزات الجامعة وبنيتها في خدمة المجتمع والمعرفة الانسانية، وتحقيق التميز والإبداع والابتكار، كما تعبر عن الشراكة المجتمعية والمدلول الحضاري وبذل المنفقين ووعي المثقفين.
وتهدف الكراسي العلمية إلى توفير البيئة الملائمة للبحث العلمي وتنميته وتطويره في جميع المجالات العلمية والتقنية، وتوفير المصادر المالية اللازمة لدعم البحث العلمي بكفاءات متميزة، وأجهزة وتقنيات حديثة، وإيجاد شراكة فاعلة بين الجامعات والمجتمع، وإيجاد جيل من الباحثين المتميزين في مختلف المجالات العلمية وتدريبهم والارتقاء به.
ورغم أن الكراسي العلمية هي تجربة وطنية حديثة وليدة، إلا أنها تعد تجربة عالمية قديمة العهد، فهي عند المسلمين بمفهومها ظهرت بظهور المؤسسات العلمية وحبس الأوقاف عليها، وفي جامع القرويين ظهرت الكراسي عام ٥١٥هـ، وكانت موجودة في العهد المريني في القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي، وفي أوروبا ظهرت منذ عصر النهضة، واستمر ظهورها في العصر الحديث في الشرق والغرب، وبدأ الاهتمام بها على المستوى الوطني في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله.

د.الأحمد: الاهتمام بها يجعلنا نزاحم الدول المتقدمة في العلم
يقول الدكتور محمد الأحمد الأستاذ المساعد بجامعة الملك سعود أن الكراسي العلمية عبارة عن مبالغ يدفعها رجال الأعمال والمؤسسات والشركات من أجل إجراء بحوث في مجال معين سواء علميا بحتا أو طبيا، وكل مؤسسة تخصص البحث في تخصصها، وهناك كراسي علمية في جامعاتنا أثرت العملية البحثية خصوصا مع وجود شركات ضخمة تعي معنى وجود كرسي يحمل مسماها، وهناك جامعات سعودية يوجد فيها كراسي علمية مستمرة وتحقق أهدافها، وهي أهداف حقيقية وليست عبثا، كما سبق أن مولت المملكة كراسي بحثية عالمية في جامعات عالمية، والأمير نايف مول بحثا عن الحديث الشريف في جامعة موسكو وكراسي أبحاث تخدم الإسلام والمسلمين، وكان لها تأثير كبير في التعريف بالدين الإسلامي، كما حققت أهدافا عالميا، وهناك أيضا كراسي في جامعاتنا حققت الأهداف المرجوة منها، حتى لو لم تكن جميع الكراسي، لذلك فمن الواجب أن تحظى الكراسي العلمية باهتمام بالغ، نظراً لأهميتها، فكثير من الإنجازات والدراسات المهمة تكون من ثمرات هذه الكراسي العلمية، والاهتمام بهذه الكراسي سيجعلنا نزاحم الدول المتقدمة في العلم، بشرط أن يكون الاهتمام بها بشكل فعلي، من أجل إنتاج علمي محكم.

د.الشريف: بعض الكراسي لا تخدم المعرفة ولا حاجة لها بسوق العمل
أكد الدكتور عبدالله بن حسين الشريف المشرف على كرسي الملك سلمان بن عبدالعزيز لدراسة تاريخ مكة المكرمة أن عددا من الكراسي العلمية ‏في الجامعات السعودية ‏تمكن من تحقيق منتجات بحثية ومشروعات علمية أسهمت في خدمة المعرفة والتنمية الوطنية، ‏غير ان فشل بعض الكراسي وقصر عمر التجربة الوطنية في هذا المجال وضعف التغطية الإعلامية لمنتجات الكراسي لم يمكن من وضوح الصورة ولا تحقيق الآمال منها. ‏فنحن على سبيل المثال في كرسي الملك سلمان بن عبدالعزيز لدراسات تاريخ مكة المكرمة أنجزنا أكثر من 65 بحثا علميا متخصصا في تاريخ وحضارة البلد الأمين، ‏ونشرنا 16 كتابا والبقية في طريقها ‏للنشر، عدا ماهو تحت الإعداد وعدا الفعاليات الثقافية التي نظمها الكرسي ومنها ندوة الطوافة والمطوفين.
ولا شك أن ‏النهضة العلمية وبخاصة البحث العلمي يحظى باهتمام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وحكومته الرشيدة، ‏وقد وجدت المراكز البحثية دعما ماليا حكوميا مشكورا، ولكننا نتطلع الى مزيد من الدعم المالي البحثي بما يخدم التنمية الوطنية وسياسات التطوير، كما أن الأصل ‏في تمويل الكراسي البحثية من الداعمين من أبناء المجتمع وليس دعما حكوميا. وإذا كانت الكراسي العلمية قد فشلت في ان تكون مؤشرا واضحا للإنتاج الوطني فلعل ذلك بسبب إنشاء كراسي لا تخدم المعرفة ولا حاجة سوق العمل ولا دواعي التنمية المستدامة او ما أنشئ منها بدون برنامج واضح او أهداف محددة وبدون تمويل مسبق.
وتتمثل سبب المعوقات التي تعرقل مسيرة الكراسي العلمية وسير عملها وسرعة إنتاجها في البيروقراطية الإدارية التي تسهم في قلة المناشط وبطء الانتاج وتأخر ظهور النتائج وصعوبة الإجراءات المالية للكراسي مع الجهات ذات العلاقة، وعدم دقة لوائح الكراسي العلمية وحاجتها لإعادة النظر والتعديل والتطوير والإفادة من سلبيات الماضي بما يساعد على تطوير سياساتها وضبط وتوصيف إجراءاتها، الى جانب عزوف جمهور الباحثين عن المشاركة والإسهام في العمل البحثي نتيجة لكثافة أعمالهم الجامعية وازدياد أعداد الطلاب واكتمال جداولهم وتعدد انواع التعليم ونشاطاتهم ومسؤولياتهم التدريسية والاكاديمية، ونظرة بعض الباحثين إلى الكراسي نظرة مادية بحته وعزوفه عن التفاعل معها إذا لم تقدم أفضل مما تقدمه له الجهات البحثية والتعليمية الأخرى.
وبناء على ذلك أرى تحويل بعض الكراسي التي اثبتت نجاحها وأسهمت منتجاتها في خدمة المعرفة والتنمية المستدامة إلى كراسي دائمة، وذلك من خلال أوقاف تنفق غلتها على تلك الكراسي وتضمن لها الديمومة، وإعادة النظر في السياسات والإجراءات الإدارية والمالية ولوائح الكراسي العلمية بما يساعد على تيسيرها وتسريعها وبما يلائم أعمار الكراسي المحدودة بزمن يتراوح بين الثلاث والخمس سنوات، واستقطاب الباحثين المتميزين والمتخصصين من الخارج والداخل للتفاعل مع الكراسي والإغداق عليهم ما أمكن للإفادة من علمهم وخبراتهم، كما أدعو الى قصر نشاط الكراسي على البحث العلمي والتخصص في موضوع محدد، فإن الاهتمام الشامل والبرامج المتنوعة للكراسي تشتت جهد الكراسي وتضعف الجودة وتقلل من التميز المرهون بمجال محدد.

معوقات عمل الكراسي العلمية
– البيروقراطية الإدارية بالجهات ذات العلاقة
– عدم دقة اللوائح وحاجتها لإعادة النظر والتعديل والتطوير
– عزوف الباحثين عن المشاركة بسبب كثافة أعمالهم الجامعية
– نظرة بعض الباحثين إليها نظرة مادية وعزوفه عن التفاعل معها

توصيات لتفعيل دورها
– تحويل بعض الكراسي التي اثبتت نجاحها إلى كراسي دائمة
– إعادة النظر في الإجراءات الإدارية والمالية ولوائح الكراسي
– استقطاب الباحثين المتميزين من الخارج والداخل ودعمهم
– قصر نشاط الكراسي على البحث العلمي والتخصص في موضوع محدد وفقاً لصحيفة المدينة.

11 22

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>


(مطلوب)